17.05.2016 18:19 نشر منذ: 3سنة
إضاءات , مواضيع ساخنة
روجيه غارودي
871

ان تعرف أكثر عما يجري في منطقتنا

ماذا يجري في المنطقة الاسلامية من العالم ؟ لماذا تعج هذه المنطقة العريقة في تاريخها بالحروب والويلات والخراب والدمار ؟ ...هذه دراسة كتبها البروفسور روجيه غارودي في نهاية القرن المنصرم غارودي الفرنسي ولد من ام مسيحية واب ملحد وقضى معظم حياته يساريا في مواقع متقدمة من الماركسية الاوروبيةعام 1972 كتب كتابه البديل معلنا تمرده على الافكار الماركسية واعتناقه للاسلام .ناضل بشرف وامانة علمية فائقة بوجه الهيمنة الصهيونية على العقل الاوروبي ولاحقته الاجهزة الصهيونية في فرنسا في محاولات لئيمة لخنق صوته ومحاصرة افكاره .


روجيه غارودي ايران صراع الحضارات العراق

الولايات المتحدة طليعة الانحطاط

االفصل الأول

ما هي الرؤية التركيبية التي تبرز في نهاية القرن العشرين ، والتي يمكن أن نكوّنها من مجموعة أحداث تبدو ظاهريا منفصلة بعضها عن البعض الآخر ؟ ما هي المشكلات الكبرى التي تبرز لتشكل مستقبلنا القريب ؟

هل نحن متجهون إلى حرب عالمية ثالثة ، انما من نموذج جديد ؟ ذلك أن ما سمي حتى الآن بالحربين العالميتين لم يكن في حقيقة الأمر إ ّ لا حربين أوروبيتين ، لا عالميتين ، ولم ت  سم الحرب الأولى عالمية إ ّ لا لأن الدولتين المتحالفتين إنكلترا وفرنسا ضمتا إلى جيوشهما " فرق الملونين " التي تشكلت من مواطني مستعمراتهما : من الجنود السنغاليين ، حتى جنود الشمال الأفريقي ، بالنسبة لفرنسا ، وجنود ممتلكات التاج البريطاني الممتدة من كندا حتى استراليا ، بالنسبة لبريطانيا.

وجرى الأمر نفسه في الحرب العالمية الثانية ، التي انفجرت أيضا بسبب صراع أوروبي  أوروبي ، مع فارق أن الحلفاء الغربيين ، أشركوا في هذه الحرب الشعوب التي كانت خاضعة لهم . فإنزال البروفانس مثلا ، ضم ٧٠ % من عناصره ، جنوداً مغاربة ، ( ونسبة قتلى المغاربة إلى نسبة القتلى الآخرين أعلى بكثير ) . وكان الهدف :

تحرير فرنسا . وجرت الحرب الأمريكية  اليابانية في نفس السياق ، إذ لم تكن حربا بين حضارتين ، إنما بين خصمين يطوران نفس النظام الصناعي ، وقد اختصما بهدف السيطرة على المحيط الهادي ، وعلى غزو الأسواق . ولم تتداخل الحربان عسكريا أبدا ، فقد تخيل هتلر  كي يبعد الولايات المتحدة إلى أقصى زمن ممكن ، عن النزاع الأوروبي  أن يجعل من اليابانيين " آريي شرف " كي يحقق بعد ذلك محور برلين روما  طوكيو .

يعتقد هانتجتون في إطار ما يسميه " بالحرب الحضارية " أن الحرب الثالثة إذا ما انفجرت ، ستكون من نوع جديد، إذ لن تكون نتيجة تنافس الأوروبيين ، فيما بينهم ، بل مجابهة بين حضارتين :

حضارة المركز (الغرب) وحضارة المحيط (بلدان الاستعمار القديم) .
كما يعطي لهذين الطرفين مفهوما دينيا : وهو الصدام بين حضارة " يهودية مسيحية "

وبين حضارة " إسلامية كونفوشية " . ولئن طرحت المشكلة بشكل سيئ ، إلا أنها مشكلة حقيقية : فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، واستبدال " الشيطان السوفيتي " ، " بالشيطان  الإسلامي " " وحلفائه المحتملين ممن نطلق عليهم اسم العالم الثالث ، ثم تدمير العراق " كي يكون مثالا للآخرين " ، نتسائل هل ستحقق الولايات المتحدة حلمها في بسط نظامها الخادع " للسوق الحرة " على العالم كله ؟ وبمعنى ما  وهو ما شرحته في كتابي " نحو حرب دينية "  سيكون تصادما حضاريا : إن وحدانية السوق ستضطر أن تحطم كل أولئك الذين يريدون الاحتفاظ بنظام آخر من القيم ، غير القيم التجارية ، والذين يدافعون عن هويتهم ، وبالإضافة إلى ذلك عن معنى الحياة .

إن النقطة الحساسة في حدود الامبراطورية الأميريكية " وهي ما كانت تسمى في زمن الإمبراطورية الرومانية قبل أن يمحوها البرابرة " بعتبات الإمبراطورية " ، هي " الخليج العربي" لأنه محاط بأحواض البترول الأغزر في العالم ، وسيبقى لعشرات السنين " عصب التنمية الغربية ". فوق هذه العتبات ، تحقق لوحدانية السوق أحدث نصر ، إذ جرى تدمير العراق ، عبر حرب خاضتها الولايات المتحدة بتأثير جماعتي ضغط في الولايات المتحدة دفعتاها لفتح نار المعركة ، وقد حددهما ألين بيريغيت في جريدة الفيفارو / عدد ٥ تشرين الأول ١٩٩٠ / بأنهما : ١  اللوبي اليهودي . ٢  لوبي رجال الأعمال . وفوق هذه التقطة الحساسة من حدود الامبراطورية الجديدة لا تتوقف إسرائيل عن  لعب الدور الذي رسمه لها مؤسسها الروحي تيدور هرتزل ، وهو أن تكون " حصنا متقدما " للحضارة الغربية ضد " بربرية الشرق " .

أما البرنامج الأكثر دقة لدور إسرائيل فقد ظهر جليا في شباط ١٩٨٢ " أي قبل غزو لبنان بقليل " ، في مجلة كيفونيم التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية : وهو تفتيت كل الدول المجاورة من النيل حتى الفرات ، وهي الطريقة الأفضل التي تستجيب لأطماع الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ، في الموضع الأكبر حساسية على حدود امبراطوريتها . 

كما فرضت على الشعب العراقي إجراءات حرمان مميت ، من خلال الحظر الذي يستمر في القضاء على الأطفال في محاولة لسرقة حتى مستقبل هذا البلد. واليوم يرصد هدف جديد ، ربما كان أكثر أهمية من الهدف السابق : إيران ، التي لم يستطع العراق أن يهزمها ، رغم الدعم المالي السخي ، والسلاح الوفير ، اللذين قدمتهما الولايات المتحدة و أتباعها .

لقد جرى تحديد الهدف الجديد في مؤتمر شرم الشيخ عام ١٩٩٦ ، وكانت الحكومة الإسرائيلية هي التي حددت الهدف : " محاربة الإرهاب " و " التدخل الإنساني " . هذان هما الإدعاءان الجديدان المتكاملان للإستعمار الجديد . وحدد شمعون بيريز ، ودون أن يمتلك أدنى دليل ، إيران بأنها " مركز الإرهاب " الدولي .

ومن المتفق عليه أن كلمة الإرهاب ، تشمل كل أشكال مقاومة الشعوب دفاعا عن استقلالها ، مع استبعاد كل أشكال الإرهاب التي تمارسها الولايات المتحدة التي تهدد استقلال هذه الشعوب . وعلى سبيل المثال ، يزعمون أن مقتل جندي إسرائيلي في الجزء المحتل من جنوب لبنان ، بمعنى أن يقتل محتل من قبل المقاوم ، كما حدث في الماضي في فرنسا أيام الاحتلال النازي ، هو عمل إرهابي . أما مذبحة المدنيين في قانا ، والقصف الإسرائيلي الذي وصل حدود مدينة بيروت فهو " دفاع مشروع " ، تماما كما هو " مشروع " تصفية النازيين لأربعين من رجال المقاومة في شاتوبريان انتقاما لمقتل ضابط ألماني في باريس . 

وعندما سقطت طائرة أمريكية فوق أولمبياد أتلانتا ، وقبل إجراء أي تحقيق ، وجهت أصابع الاتهام إلى إيران . ورغم ضغط وكالة المخابرات المركزية ، على وسائل الاعلام ، لم يثبت من خلال المعاينة الميدانية أي دليل على صدق هذا الادعاء .

من السهولة بمكان أن نورد العديد من الأمثلة لاختلاق المزاعم المتصلة " بالمعركة ضد الإرهاب " أو " التدخل الانساني " و " الدفاع عن حقوق الإنسان " ، لتبرير الاعتداءات المباشرة على الدول المتهمة ، ووضع العراقيل في وجه التعامل التجاري معها . لقد تذرعوا ب " تيان آن مين " لكبح نمو العلاقات الاقتصادية مع الصين ، ولكن مقتل ألفي لبناني مدني في مذبحة قادها آريل شارون عام ١٩٨٢ ، لم تكن كافية للحد من الدعم الأمريكي لإسرائيل بالسلاح والمال ، باعتبارها رأس حربة لوضع اليد على كل بترول الشرق الأوسط .

وإنه لأمر ذو مغزى أن الحاخامات الأكبر تطرفا والأكثر شوفينية إنما تلقاهم في الولايات المتحدة ، حيث تعيش الجماعة اليهودية الأكثر أهمية في العالم ، بل إنها أكثرأهمية حتى من المجتمع الإسرائيلي نفسه . أما المحاربون القوميون الأكثر تعصبا فهم الحاخامات الذين تربوا في المدارس التلمودية التي أسسها الحزب القومي الديني برئاسة الحاخام الأمريكي " زفي يهودا كوك " ( ١٨٩١  ١٩٨٢ ) والتي كانت مبادئها الرئيسية كما يلي :

" يتابع الله عمله للخلاص عبر المعجزة التالية : وضع كل هذه الأراضي تحت السيادة اليهودية . كل الأرض التوراتية اليهودية مقدسة ، إنه تكليف إلهي : حماية الأرض وإلحاقها ، وبناء أكبر عدد ممكن من المستوطنات اليهودية فيها .. وكل تسوية إقليمية إنما تؤخر زمن الخلاص ".

أما المجموعة الثانية من الحاخامات الأمريكان والمعروفة باسم لوبافيتش والتي تستوحي أفكارها من حاخام بروكلين العجوز ، اليعازر زراحي ، ، فتعلم أتباعها بكل صراحة ، أنه يحرم على الشعب اليهودي أن يتخلى عن أصغر كسرة من أرض إسرائيل الكبرى إلى العرب ، وكذلك يحرم التفاوض معهم حول هذا الأمر .

تمثل إيران العقبة الرئيسية في هذا المشروع ، وخاصة أنها تقيم علاقات طبيعية مع باكستان والهند والصين وروسيا ، وحديثا مع تركيا ، التي تسير في طريق العودة إلى الإسلام . وتتابع إيران مسيرتها على الرغم من التعليمات الأمريكية بفرض حصار عليها .

وتشكل إيران مركزا محتملا لاعادة تجميع أجزاء كبيرة من الجزيرة الآسيوية الأوروبية في مواجهة أطماع حلف الأطلسي . ويمكن في ضوء هذه الحقيقة ، تفسيرالجهود التي تبذل في إطار الاستراتيجية الامريكية تجاه العالم ، لتأمين كل الامكانيات لتطوير السلاح النووي لاسرائيلي ، رغم رفض إسرائيل لاي رقابة دولية على نشاطها النووي .

إن نقطة الضعف الاسرائيلية في هذه الامبراطورية ، هي فقدانها للروح ، ونعني بذلك فقدانها لاي مشروع تعاوني من أجل مستقبل الإنسان إلا تنمية إنتاجها واستهلاكها من خلال تفوقها بالسلاح .

هذا هو السبب الذي اضطر معه هانتجتون لان يقنع حقيقة أفكاره بتعارض مزعوم بين الحضارة اليهوية  المسيحية و " التواطؤ الاسلامي  الكونفوشيوسي " ( وهوالوريث لأقدم الحضارات في العالم من دجلة إلى سورية إلى الصين ) . وقد اعتبر المؤرخ توينبي أن النطاقين السوري والآسيوي المركزي هما مركز الحضارة ، فقال : "في سورية ، أخذت المسيحية شكلها الذي انتشرت من خلاله في العالم الهلنستي كله ، وفيما بين النهرين ، تشكلت النسطورية ، ومذهب الطبيعة الواحدة ، وفي الحجاز ، جنوب سورية ، ظهر الإسلام في مكة ، وفي الحدود الشرقية لشمال الجزيرة العربية ، ولدالمذهب الشيعي " .

إنه تحديد غريب للقطبية في العلاقات الدولية ، باسم " العولمة " الاستعمارية للاقتصاد ، ضد الهويات الثقافية أو الدينية ، لكل الحضارات الأخرى .

وينشأ عن هذا الأمر ، بغية مقاومة هذا التوحيد للشكل بلا روح ، ضرورة قيام اتحاد أوروبي  آسيوي مع أمريكا التي سماها مستعمروها القدماء باللاتينية ، بغية إفشال محاولات الولايات المتحدة للقضاء على بذور المقاومة سواء في الميادين العسكرية والاقتصادية ، أو الدينية والثقافية ، والتي يمكن أن تنمو في كل القارات . إن محاولتها تفتيت مراكز المقاومة التي لا تقهر ، تظهر الآن جلية في الكرة الأرضية كلها . كما تشجع في نفس الوقت الصراعات الاقليمية ، فتحرض كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية ، وتايوان ضد الصين ، والهند ضد الباكستان ، وكذلك البوسنة ضد الصرب، لتبرير تدخلها العسكري على ما كان يعرف بالحدود بين الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية .

وفي أمريكا اللاتينية تغذى الخلافات بين كوبا والبلدان الأخرى في أمريكا الجنوبية ، أوبدقة أكثر من واجهة المحيط الهادئ " تشيلي " إلى واجهة الأطلسي لشبه القارة الأمريكية الجنوبية .

وتعتبر " خطة السلام " المزعومة في فلسطين النموذج الأكثر تعبيرا عن المناورات الأمريكية ، فهذه الخطة لا تقدم للفلسطينيين إلا غبار ما كان يتمتع به المواطنون السود في التنظيمات الإدراية ، في ظل نظام التمييز العنصري في اتحاد جنوب أفريقيا " البانتوستان " ويمثل أقل من ٦ % من الأرض الفلسطينية محاطا بطرق تصل المستعمرات الاسرائيلية بحماية الجيش الاسرائيلي . وقد شارك حزب العمل في هذا التفتيت ، الذي اخترعه بيغن تحت اسم الحكم الذاتي ، والذي تابع خلفاؤه من الليكود ، الذين تسلموا السلطة اليوم ، تنفيذه بسعي حثيث . إن هدف الحزبين ، إلحاق فلسطين عن طريق زرع نصف مليون يهودي مستوطن ، والاستيلاء على الأرض والماء .

وقد بدا هذا التحدي مجزيا للمعتدين ، لانه لم ينجح في تقسيم الفلسطينيين فحسب ، بل أيضا في انقسام العالم العربي بكاملة ، حول الموقف الواجب اتخاذه حيال هذه المناورات التقسيمية الكبرى .

ويعبر التناقض الرئيسي في العالم المعاصر ، عن نفسه بمنتهى الجلاء في خلق الانقسامات إلى أقصى حد. والخبث الاكبر فيما يسمى الدفاع عن " الديمقراطية " وعن حقوق الإنسان ، يمكن اكتشافه في حالة الجزائر الآن : فالتناقض كان واضحا جدا ، إذ اتخذ النظام " الديمقراطي الحر" اتجاها متناقضا تماما مع كل مبادئ هذا النظام ، فقد قبل بوقف العملية الانتخابية " الحرة " وساند الانقلاب العسكري بهدف مقاومة أصولية جبهة الانقاذ الإسلامية .

وهناك ، وكما يجري في فلسطين ، كانت المشكلة الدينية هي التي دفعت لتحتل المرتبة الاولى . ويتطلب الامر النضال ضد الحملة العالمية التي تشن باسم ديانة لا يجرؤ أحد على تسميتها : وحدانية السوق ، والتي تصطدم عندما يتطلب الامر، مع ديانات محددة ، مثل إسلام أورو  آسيا وأفريقيا ، أو مثل الحركات اللاهوتية التحريرية في أمريكا.

لو أن الإسلام ، بدل أن يتمترس خلف ماضيه ، استعاد المفهوم القرآني حول وحدانية الاديان ، منذ أن نفخ الله روحه في آدم ، مع " شريعة " تشكل قاسما مشتركا لكل أشكال الايمان والحكمة ، على مستوى العالم كله ، وبكلمة أخرى ، لو جمع بين أصالة القرآن في فقه التحرير ، مع أصالة رسالة يسوع ، بعد قرون من لالهوتيات الهيمنة ، لاطمأنت هذه الجبهة العالمية إلى انتصارها على عالم بلا روح تسوده وحدانية السوق . هذا هو مدى اتساع الدراما التي تلعب على مستوى الكوكب الارضي ، في كل المستويات : الثقافة والايمان ، وكذلك السياسة والاقتصاد .

وقد ظهرت محاولات لحشد الناس : ففي عام ١٩٩١ ، عقد في الخرطوم مؤتمر شعبي اسلامي عربي ، بناء على دعوة من السودان وإيران . 

إشارة أخرى كاشفة : ففي مؤتمر سيتل ، عام ١٩٩٥ ، حيث أملت الولايات المتحدة أوامرها بقبول أهدافها في " سوق عالمية " ، انسحب القادة الآسيويون الرئيسيون بسبعة المطالب الأمريكية ، حتى ان رئيس وزراء ماليزيا وهي احدى الدول المؤسسة لمنظمة " آسيان " ، قد رفض أن يتابع أعمال المؤتمر تعبيرا عن احتجاجه على سياسة التدخل الامريكي . أما كلينتون الذي عبر عن خيبة أمله من الموقف الاوروبي ، فقد أبدى رغبة في أن يتوجه بأنظاره نحو المحيط الهادي .

في عام ١٩٨٢ ، بنت الصين مركزا للأبحاث النووية في أصفهان ، في محاولة لوضع عقبة في وجه حرب وقائية ضد إيران ، على غرار تدمير اسرائيل ، في ظل سلام تام ، مفاعل تموز النووي في العراق ، في الوقت الذي كانت تبني هي سرا ، ترسانتها النووية ، إلى أن كشفت اعترافات الفيزيائي الاسرائيلي ، مردخاي فعنونو ، في جريدة لندن صاندي تايمز ، في ٥ تشرين الاول عام ١٩٨٦ ، عن خطورة هذه الترسانة القادرة على محو كل المدن وصولا إلى السد العالي في مصر . 

وتضم المجموعة النووية الاسرائيلية ، إضافة إلى مفاعل بلوتونيوم في ديدمونة ، مركز البرمجة النووية في مورك " حيث يوجد فيه مفاعل أمريكي تجريبي " ، وحقل اختبار صواريخ بالميكي ، ومعمل تجميع في يوديفات وقواعد تحزين الاسلحة النووية التكتيكية في كفار وزاخريا ، وايلابون . 

وما زال فعنونو، منذ ذلك الحين ، في السجون الاسرائيلية ، بينما تستنكر الحكومة التجارب النووية في الصين ، والهند ، وباكستان ، وكازاخستان التي ورثت جزءا من السلاح النووي السوفيتي .

ويكشف التحالف الحالي ، بين الليكود والاصوليين الدينيين ، في أعقاب انتخابات ١٩٩٦ ، بشكل أكثر وضوحا من أي وقت مضى ، الدور الذي تحضر اسرائيل نفسها له وهو تفجير حرب عالمية جديدة .

وربما تكون الصدمة أكثر وحشية لا سيما وان روسيا ، التي تختزن كمية ضخمة من الأسلحة النووية ، قد تحولت إثر تفككها إلى دولة شبيهة تماما باسرائيل : أي جيش يمتلك دولة ، لا دولة تمتلك جيشا .

وفي إطار الفوضى وتفكك الدولة ، اللتين حققهما يلتسين بمساعدة الولايات المتحدة ، لا نستطيع أن نتصور إطلاقا مخرجا آخر للتخلص من الاهانات ومن أشكال التمزق التي تعاني منها البلاد منذ " استعادة الرأسمالية " ، إلا الدكتاتورية العسكرية القومية . 

ونتصور أنه امر سيئ وجود جيش بلا دولة ، في خدمة بلد توقف عن الوجود بسبب غياب المشروع الجماعي . ولن تستطيع هذه الديكتاتورية العسكرية التي لن تكون نتاج حركة تاريخية ، وإنما انطلاقا من منطق جبري لعلاقات القوى في العالم ، أن تواجه منظورا آخر غير التحالف مع ألمانيا وآسيا المركزية ، بهدف مقاومة التبعية لواشنطن وإسرائيل ، المتمثلة باحتواء السوق الروسية ضمن النظام العالمي الجديد في صيغته الإنحطاطية والمافيوية . ويتوجب على هذا البلد أن يختار بين هذين العالمين ، ولن يعدم التشيع التاريخي للمسيحية الأرثوذكسية ، والقومية الروسية ، من الحصول على الوسائل الازمة لتوجيه هذا الاختيار .

ولم تعد أوروبا حليفا دائما ومؤكدا للولايات المتحدة ، ليس فقط لأن معاهدة مايستريخ جعلت من أوروبا ملحقا تابعا لحلف الأطلسي ، مبدية هذه الايام شرورها الاقتصادية والثقافية ، وإنما لأن انقسام أوروبا على نفسها يظهر أكثر فأكثر .

ويشهد على ذلك حادثان حاليان :  بينما قبلت بريطانيا وفرنسا أن تجعلا من جيشيهما ملحقين بالجيش الأمريكي في العراق ، فقد عارض ٨٠ % من الشعب الألماني التدخل العسكري في هذا البلد .

 وفي يوغسلافيا كان الألمان الواجهة للتحالف مع الكروات بينما لم يتخذ البريطانيون والفرنسيون مواقع معارضة للصرب إلا بضغط جرماني  أمريكي . وفي اللحظة التي تحول فيها الأمريكيون من دائن إلى مدين رئيسي ، حيث أصبحت استثماراتهم ، الأقل في العالم الصناعي ، على الرغم من قوتهم التي تأتي من تقنية ضغط الزر ، ومن جيشهم الذي لا يحركه أي مشروع إنساني ، ولا يحلم ، شأنه شأن البنتاغون ، إلا بحروب يكون فيها الهلاك " حتى الصفر " . وتظهر هذه البلاد التي يريد قادتها أن يصبحوا سادة العالم ، كجبار بقدمين من صلصال ، بسبب هشاشته الاقتصادية المموهة لبعض الزمن ، بالمضاربات المالية التي حولت المصارف إلى كازينوهات ، وحيث تضاعفت إفلاساتها ، بعد إفلاسات صناديق التوفير.

لهذا السبب ، تراهن الولايات المتحدة ، ولو لزمن ، على سياسة التسليح ، لمواجهة صعود عمالقة آخرين . ليس فقط بالتسليح المبالغ فيه لمرتزقتهم الرئيسيين في الشرق الأوسط : إسرائيل ، ولكن أيضا لتأخير بزوغ الصين . ومثلما تبحث إنكلترا عن المراوغة في إعادة هونغ كونغ إلى الصين ، تقوم الولايات المتحدة بتسليم طائرات إلى تايوان بقيمة ٤ ، ٥ مليار دولار ، في الوقت الذي باعتها فرنسا فيه، ستين طائرة ميراج .

كل ذلك يحدث لمنع الصين من التوحد مجددا ، الصين التي ستصبح بسوقها الداخلية لمليار و ٢٠٠ مليون إنسان ، ومصادرها الطبيعية الكبرى ، واليد العاملة وقد دخلت الولايات المتحدة ، في مرحلة " قصور حراري " من تاريخها ، أي مرحلة من التفكك الداخلي بسبب النمو البائس لأمريكا الأخرى ، النمو البائس لثلاثة وثلاثين مليون مواطن يعيشون تحت عتبة الفقر ، ومن التفتت الاجتماعي بسبب التمييز العنصري الممتد عبر القرون ، وبشكل خاص ضد السود ، والذي تشهد عليه فتن لوس أنجلوس الاحتجاجي لمليون أسود في واشنطن والذي قاده الزعيم الأسود فرحان ، وكذلك الانحلال الاجتماعي بسبب المخدرات والفساد، والمضاربات الطفيلية .

مرة أخرى نقول ، لقد استطاع النظام " المركز " الذي يسعى عبر القوة التقنية الفريدة لأسلحته ، أن يجعل من سيادة دول " المحيط " سيادة محدودة ، وأن يحتكر لنفسه " حق التدخل " مموها ذلك ، عند الامكان ، بأنه تدخل إنساني تحت غطاء مؤسسات يفتعلها مثل الأمم المتحدة ، وصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي .

الهوامش 

يحفل الكتاب بحشد كبير من الأسماء والأعلام ، لذلك آثرت اثباتها في نهاية كل فصل . أما الهوامش التي وردت في النص الأصلي للكتاب ، فقد أشرت إليها بكلمة غارودي .

١  نحكم هنا على الوحشية النازية في أوروبا ، ولكن أحداث سطيف (الجزائر)  عام ١٩٤٥ ، وهايفوتج عام ١٩٤٦ ومدغشقر عام ١٩٤٧  ١٩٤٨ ، والدار البيضاء عام ١٩٤٧ ، وساحل العاج عام ١٩٥٠ ، تدل أن المجازر وأعمال التنكيل التي ارتكبتها جيوش الجمهورية الفرنسية لم تتوقف (غارودي) .

٢  لقد نشرت النص العبري الأصلي ، وترجمته إلى الفرنسية في كتابي " فلسطين أرض الرسالات المقدسة " (المنشور عام ١٩٨٦  غارودي) . منظمة دول جنوب شرق آسيا . هدف المنظمة إنشاء سوق " ASIAN ٣  " آسيان مشتركة بين ماليزيا ، وأندونيسيا ، وتايلاند ، وسنغافورة ، وبروناي ، والفليبين .وكرد فعل أمريكي ، شبيه بتأثر الماء على النار ، قامت الولايات المتحدة ، بإنشاء منظمة ، تضمها واستراليا ، ونيوزيلانده ، باسم " الاتحاد الاقتصادي للآسيا في المحيط الهادئ  غارودي) . APEC )

 

لمطالعة الكتاب كاملا اضغط على الرابط التالي


التعليقات

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع المرصد الشيعي الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

Like news · Dislike news ·  
لم يتم التصويت عليها حتى الآن.
1 comment available

حبیب جعفر - مرگ بر آمریکا - مرگ بر اسرائیل

3 years 3 months ago · 
لم يتم التصويت عليها حتى الآن.
أعجبنيأعجبني · 
لم يعجبنيلم يعجبني