10.01.2015 18:19 نشر منذ: 5سنة
أفكار و آراء
مصطفى قطبي
386

عندما تحرق فرنسا نفسها بنيران الإرهاب!

كان لافتاً بدرجة كبيرة مسارعة المجتمع الدولي وبخاصة أمريكا وقادة الدول الأوروبية ومسؤولي الاتحاد الأوروبي للتعاطف مع فرنسا بعد مقتل 12 شخصاً بإطلاق نار على مقر صحيفة ''شارلي إيبدو'' الفرنسية الساخرة... واستنكارهم الشديد لهذه الحادثة، وتلكؤهم عن إدانة واستنكار حوادث مماثلة ـ وربما أفظع ـ جرت وتجري في عدة أقطار عربية على يد جماعات إرهابية مسلحة!ما يطرح عشرات الأسئلة حول مصداقية السياسة الغربية تجاه منطقتنا وما يجري فيها.‏


شارلي ايبدو باريس الارهاب القاعدة

إن الجريمة حين تكون بغيضة في مكان، ولا تكون كذلك في مكان آخر، قياساً على ازدواجية تقويمها وفقاً لرؤية أي قيادة سياسية سواء في فرنسا أو خارجها، لا يمكن أن تقرأ بنيات طيبة بل بنيات حاقدة لا علاقة لها بما يمليه الضمير الحي والعقل المنفتح على العالم بعينين لا بعين واحدة وذلك على نحو ما توحي به كلمات الرئيس ''هولاند'' المؤثرة فعلاً وهو يواسي عائلات الضحايا...‏
هذا الموقف لا يمكن أن يجرده أحدنا من إنسانيته إن صح التعبير، ولكنه في الوقت ذاته، لا يمكن أن يقيمه بميزان العدل والموضوعية، فضحية الجريمة أياً كان نوعها ومصدرها تستحق أن نطلب لها الرحمة من خالقها، وحين تكون عائلات الضحايا بحاجة إلى مواساة، فمن الطبيعي ألا تميز عائلة عن أخرى لأنها تعيش في موقع الجريمة أم لأنها بعيدة عنه.‏
والمفارقة العجيبة، أن رهافة المشاعر الإنسانية الفرنسية المتعاطفة مع الأرواح التي أزهقتها أيادي الإرهاب، لا تنسحب على أرواح مماثلة تنتمي إلى الجنس ذاته، حيث يحصدها منذ أربع سنوات عنف تمارسه مجموعات إرهابية مسلحة من بقايا تنظيم القاعدة، ومن المرتزقة والمجرمين وخريجي السجون، عنف بشري غير مسبوق ومنفلت لا يصعب إيقافه إن توافرت إرادة اميركية ـ أطلسية توعز لعملاء أميركا وأوروبا وأزلامهم في تركيا والسعودية وقطر، بالكف عن دعم هذه المجموعات المسلحة، لأن ما تقوم به هذه الدول يتم بضوء أخضر أميركي، وبموافقة مسبقة من واشنطن التي تكلف الآخرين خوض حروب بالنيابة عنها، ولاسيما أنها لا تدفع دولاراً واحداً من جيبها من تكاليف هذه الحروب الظالمة.

ويبدو أن التداعي الأوروبي إلى عقد اجتماع عاجل بشأن الأحداث الدامية التي جرت بعاصمة الأنوار، لا ينبئ عن حالة فطنة سياسية، تدرك من خلالها الدول الأوروبية ماذا سيحلّ بأوروبا على خلفية تفاقم الوضع وتصاعد وتيرة العنف فيها على نحو كبير، وبخاصة أمام المعلومات الصادمة عن تكاثر خفافيش ''القاعدة وأخواتها'' المصنَّعين في مطابخ أمريكا و''إسرائيل''، الذين انتشر حقدهم الديني الأسود على جناح شهوة السلطة القائمة على التكفير المذهبي والطائفي في كلّ الدول التي طالها ''ربيع الدم الديمقراطي'' الذي وصل إلى فرنسا محمّلاً بوباء تطرّفهم...
والغريب أنّ الكثير من وسائل الإعلام اليوم الغربيّة والعربيّة، تتباكى لمقتل 12 شخصاً بإطلاق نار على مقر صحيفة ''شارلي إيبدو'' الفرنسية الساخرة... وتتغاضى عن سفك دماء أخرى بالعراق وسوريا واليمن وليبيا... وكأنّنا نشهد ميلاد بورصة خاصّة بالدماء.
مثل الدم اليهوديّ المراق بالمتجر الباريسي يتنزّل في المقام الأوّل تليها دماء الشعوب الأخرى، كأن يُقدَّر الدّم اليهودي بما يُشبه الذهب الخالص أواللؤلؤ في حين يَخضع غيره من الدماء لنظام التراتب، حسب إملاءات المرحلة، كالدّم التركي يليه الدّم الكُردي، فالفلسطينيّ، فالعراقي وصولاً إلى الدّم السوري الّذي أضحى مُستباحاً للقاصي والداني ويمْكن هَدره بأبخس الأثمان، لذلك اعتادت وسائل الإعلام المعادية لسوريّة وللدّم السوريّ وللدّم العربيّ عامَّةً على نَشر صور القتل والخراب بِسادِيّة عجيبة ترد على شاكلة ابتسامات باردة متشفية شامتة مستزيدة لقتل وخراب آخرين قادمين تشي بها شفاه مذيعين ومذيعات ينعمون بمكيفات الغرف والاستديوهات في مقَارّ فضائيّاتهم مقابل الحرائق والخرائب والدماء النازفة والأرواح المزْهَقة...
يكفي أن تنزل قطرة دم يهوديّ واحدة كي تهبّ هذه الوسائل الإعلاميّة لتغطية الحدث والتعاطف معها والتنديد، أمّا دماء الفلسطينيّين والعراقيّين والسوريّين فهي منذورة للفرجة بضرب من التسلية الحافزة على التعجيب والإدهاش بالترويج لصورة العربي العنيف الدموي الذي لا يفرّق بين محارب وأسير، وبين راشد وطفل، وبين شابّ وشيخ، فيقتل ويُمثّل ويغتصب، لذلك فهو يحتاج إلى تأنيس خاصّ يحرّره من تخلف القرون الوسطى.
فالمتتبع للسياسة الغربية في منطقتنا لا بد له أن يلحظ الكم الهائل من النفاق السياسي الذي يتعاطى به الغرب مع قضايانا، فحين ترتكب إسرائيل المجازر ضد العرب ـ في غزة وجنوب لبنان مثلا ـ يصبح فعلها هذا مجرد دفاع مشروع عن النفس، بينما يتحول الدفاع عن النفس إلى شكل من أشكال الإرهاب حتى ولو استهدف الإسرائيليين في قواعدهم وآلتهم العسكرية المجرمة.‏
فأي غرب هذا الذي يدين الإرهاب في مكان ويشرعه ويعترف به ويدعمه في أماكن أخرى، إنه لمن الإنصاف والعدل أن يطلق على هذا الغرب ''الجبهة العالمية للنفاق''، فالولايات المتحدة مثلا تضع ''جبهة النصرة'' على لوائحها المزعومة للإرهاب في حين يسارع رئيسها ''أوباما'' للاعتراف بائتلاف الدوحة العميل ممثلا للشعب السوري رغم علمه بالتحالف القائم بينه وبين عصابات ''جبهة النصرة'' الذراع العسكري للقاعدة، ليستمر مسلسل النفاق والكذب على الشعوب!
يؤكد هذا ما كشفته ''الغارديان'' مؤخراً، من أن الأزمة في سورية عرّت النفاق الأوروبي الذي لا يجرؤ على قول الحقيقة، على الرغم من كلّ المعطيات المثبتة أمامه جلية واضحةً، خوفاً من إثارة غضب السيد الأمريكي و''إسرائيل''، والحلفاء في السعودية وقطر، حتى ولو أصبحت رؤيتهم واضحة من حيث تعاظم الخطر ''القاعدي والداعشي'' الذي بدأ يرتدّ وباله عليهم...

وكذلك التحذيرات التي أطلقتها صحيفة ''الموندو'' الإسبانية التي أكدت، وعلى نحو قطعي، أن أجهزة الاستخبارات في دول أوروبية عدة اعترفت بأن ثمة مجموعات كثيرة تقاتل في سورية مندمجة مع تنظيم القاعدة، مبيّنةً ـ أي الصحيفة ـ أنها اطلعت على وثائق سرية خاصة بأجهزة المخابرات الأوروبية، تفيد بأن هذه الأجهزة تخشى من أن يمتد الخطر الذي تمثله هذه المجموعات إلى دول أخرى، وتحديداً أوروبا، بعد انتهاء الأحداث في سورية.

إنّ الإعلان عن أرقام وأعداد لهم لا تغير من القضية كثيراً، وحتى الاختلافات فيها أو التناقضات تظل تنويعاً على المخططات المرسومة لها فقط. آخر تصريح لجيل دي كيرشوف، مسؤول مكافحة الارهاب في الاتحاد الأوروبي، لبي بي سي (26/09/2014) إن عدد المواطنين الأوروبيين الذين انضموا لتنظيم ''داعش'' في العراق وسوريا قد تجاوز ثلاثة آلاف.

وكان خبراء وتقارير إعلامية قد قدرتهم في وقت سابق من العام الحالي بنحو ألفين، ورأى دي كيرشوف، أنّ قيام التنظيم بإعلان ''الخلافة'' في حزيران/ يونيو الماضي كان له دور في جذب المؤيدين الأوروبيين. وحذر المسؤول الأوروبي من أنّ الغارات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة وتوابعها قد زادت من احتمال وقوع هجمات انتقامية ضد أهداف في أوروبا. وأشار إلى احتمال تنفيذ المجموعات المنافسة لتنظيم ''داعش'' ـ مثل تنظيم القاعدة ـ هجمات على أهداف في أوروبا للمحافظة على موقعها، وقال ''إن صعود داعش قد يجبر القاعدة على عمل شيء ما للبرهنة على أنها ما زالت ذات أهمية!

وتؤكد التحذيرات والقرارات على خطورة التنظيم، وخطر الدول الداعمة له التي لا يراد ذكرها، لأنها تدخل الآن في تحالف الحرب عليه، أو تحت هذه التسمية، والأغلبية في الأخير تعمل من أجل مصالحها وأهدافها وليس من أجل مصالح الشعوب وخياراتها.

إن الارتدادات الزلزالية للإرهاب، تكشف أن الجميع وقع ضحية للقوى الصانعة للإرهاب إما مخدوعاً أو راضياً، والخطر بات الآن أكبر من أن تُترك تقديراته، لا للأمم المتحدة ولا للولايات المتحدة، أو قادة القارّة العجوز، بل الشعوب هي الأقدر على التقدير لأنها المعنيّة أولاً بدفع الثمن والفاتورة الباهظة.

ففي أوروبا بعامة وفرنسا بخاصة، ثمة شعوب بات الإرهاب قاب قوسين أو أدنى منها، لن يحجب لفحاته عنها صراخ هولاند في فرنسا، ولا تهويمات فيليب هاموند في بريطانيا، ولا ابتسامات كل قادة الاتحاد الأوروبي أو صورهم التذكارية في لقاءات المفوضية أو البرلمان، لأن العائدين إلى هناك هرباً من الميدان السوري باتوا على الأبواب، فليستعد الأوروبيون لاستقبالهم، وسنرى ماذا هم فاعلون؟

والمخاوف الأوروبية المتزايدة من ارتداد الإرهاب، نتيجة طبيعية للسياسات التي تنتهجها تلك الدول في دعم الإرهاب، وشرعنته في كثير من الأحيان، ولاسيما أن تلك الدول ابتكرت تسميات مختلفة للإرهاب، وقسمته بين ''متطرف ومعتدل''، وطالما بقي القرار الأوروبي خاضعاً للمزاج الأميركي والصهيوني، فإن شبح الإرهاب لن يبقى مجرد هواجس وتكهنات، وإنما سيخيم عاجلا أم آجلا فوق أرجاء أوروبا.‏
ويبدو أن فرنسا لم تستفد من الدروس، ومن ثم لن تتخلى عن الذهنية الاستعمارية وهي ماضية بهذا النهج إلى أن تصبح المخاطر في عدة مدن فرنسية، وعندئذ ستحمل جميع المواطنين غير الفرنسيين كامل المسؤولية، وستعمل على إصدار قرارات كثيرة منها المراقبة الشديدة بحق هؤلاء حتى تضيق المعيشة في هذا البلد، ويبدأ النخر من الداخل، وساعتئذ تكون هي المسؤولة على كل ما جرى للبلاد والعباد من تفرقة وويلات ستصيب البلاد شرقاً وغرباً.
فالأجدر لباريس، أن تتخلى تماماً عن الفكر الاحلالي والاستعماري بأشكاله، وأن تكون موئلاً حقيقياً للبشر، ومقصداً لا غنى عنه، وعليها أيضاً أن تدعو وتستغل هيبتها الدولية لتحرير الشعوب من الاضطهاد والاستعباد، وأن تعمل جاهدة في كل المجالات لتبقي شيئاً من الاحترام لدى عامة الناس، بدلاً من النفور من مجرد ذكرها مع مر السنين، فإذا تم ذلك فهي في منأى عن المخاطر والكوارث، وأما إذا استمرت بعكس ذلك باعتقادي لن ننتظر كثيراً حتى نرى ونسمع صوت الانفجارات في الأحياء العريقة في باريس وفي بقية المدن.
وما يؤكد ذلك التناقض الواضح لفرنسا بزعامة الرئيس فرانسوا هولاند، الذي يدعم الجماعات المسلحة في سورية، وهو ماض لجر العالم وبالطريقة نفسها التي تمت في ليبيا، على حين يشن على الجماعات المسلحة المالية حرباً لا هوادة فيها، هذا التناقض يضع الفرنسيين في مأزق حقيقي لجهة الكشف الحقيقي للنيات الاستعمارية من وراء الدعم هنا وهناك، مع التكامل في القواسم المشتركة بينهما، فالحنين للاستعمار هو المحرك الأساسي للسلوك الفرنسي، وذلك هو ديدن فرنسا مع التنوع الكبير في الأحزاب والرؤى...
ففرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا و(إسرائيل) مستمرون في هذه السياسة العقيمة، التي ينفر منها العالم، لأن دولاً كالهند والبرازيل وبعض الدول التي سجلت اسمها بين الدول المتطورة كانت يوماً تابعة لهذه الثلة الخبيثة، فالعالم كله يتجه نحو التحرير من كل أشكال الاحتكار والاستعمار بأشكاله كافة، فاستمرارهم بهذه السياسة سيكون بمنزلة الخيط لأصبع الشمع الذي يحترق معاً.
البريد الإلكتروني     kotbi2008@yahoo.fr


التعليقات

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع المرصد الشيعي الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

Like news · Dislike news ·  
لم يتم التصويت عليها حتى الآن.

0 تعليق